مجد الدين ابن الأثير

434

المختار من مناقب الأخيار

لبّيك . قال : لا تقل لي لبّيك ، فإنّ العبد أولى بأن يلبّي مولاه . قلت : حاجتك يا حبيبي . قال : أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة ، وقد كان لك في غيري سعة ، وقد أخرج إليك من هو أجلد منّي . فقلت : لا يراني اللّه وأنا أستخدمك ، ولكن أشتري لك منزلا وأزوّجك وأخدمك أنا بنفسي . فبكى ، فقلت له : ما يبكيك ؟ فقال : أنت لم تفعل بي هذا إلّا وقد رأيت بعض متّصلاتي باللّه تعالى ، وإلّا فلم أخترتني من بين أولئك الغلمان ؟ فقلت : ليس بك حاجة إلى هذا . فقال لي : أسألك باللّه إلّا أخبرتني . فقلت : بإجابة دعوتك . فقال لي : إنّي أحسبك إن شاء اللّه رجلا صالحا ، إنّ للّه عزّ وجلّ خيرة من خلقه ، لا يكشف شأنهم إلّا لمن أحبّ من عباده ، ولا يظهر عليهم إلّا من ارتضى « 1 » . ثم قال لي : ترى أن تقف لي قليلا ؛ فإنه قد بقيت عليّ ركعات من البارحة . قلت : هذا منزل فضيل قريب . قال : لا ، هاهنا أحبّ إليّ ، أمر اللّه تعالى لا يؤخّر . فدخل من باب الباعة إلى المسجد ، فما زال يصلّي حتى أتى على ما أراد ، ثم التفت إليّ ، وقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل من حاجة ؟ قلت : ولم ؟ قال : لأنّي أريد الانصراف . قلت : إلى أين ؟ قال : إلى الآخرة . قلت : لا تفعل ، دعني أسرّ بك . فقال لي : إنّما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى ، فإذا اطّلعت عليها فسيطّلع عليها غيرك ، فلا حاجة لي في ذلك . ثم خرّ لوجهه ، فجعل يقول : إلهي ، اقبضني الساعة الساعة . فدنوت منه فإذا هو قد مات ، فو اللّه ما ذكرته قطّ إلّا طال حزني ، وصغرت الدّنيا في عيني . رحمة اللّه عليهما ورضوانه . * * * وقال أبو سعيد الخرّاز : كنت بمكة ومعي رفيق لي من الورعين ، فأقمنا ثلاثة أيّام لم نأكل شيئا . وكان بحذائنا فقير معه كويزة ، وركوة مغطّاة بقطعة

--> ( 1 ) في ( ب ) : « ارتضاه » .